محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
309
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
به عليه ، من غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد ؛ فقد قالوا : من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه . وقد قال أبو علي الثقفي ، رضي اللّه تعالى عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها ، وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام ، أو مؤدب ناصح ، ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يرويه عيوب نفسه ورعونات أعماله لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات » . وقال سيدي أبو مدين ، رضي اللّه تعالى عنه : « من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه » . وقال المؤلف - رحمه اللّه - في « لطائف المنن » : « إنما يكون الاقتداء بوليّ دلّك اللّه عليه ، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه ، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته ، فألقيت إليه القياد ، فسلك بك سبيل الرشاد ، يعرّفك برعونات نفسك في كمائنها ودقائقها ، ويدلّك على الجمع على اللّه ، ويعلّمك الفرار عمّا سوى اللّه ، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى اللّه ، يوقفك على إساءة نفسك ، ويعرّفك بإحسان اللّه إليك ، فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب عنها ، وعدم الركون إليها ، ويفيدك العلم بإحسان اللّه إليك الإقبال عليه ، والقيام بالشكر إليه ، والدوام على ممرّ الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ ! لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب « 1 » ! ! فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين ، وإنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم ، جدّ صدقا تجد مرشدا ، وتجد ذلك في آيتين من كتاب اللّه تعالى قال اللّه سبحانه : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] وقال سبحانه : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ محمد : 21 ] فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى اللّه اضطرار الظمآن إلى الماء ، والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك ، ولو اضطررت إلى اللّه اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحقّ منك قريبا ، ولك مجيبا ، ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجّه الحق بتيسير ذلك عليك » انتهى . وفي كلامه رحمه اللّه تنبيه على أن الشيخ من منح اللّه وهداياه للعبد المريد الصادق إذا صدق في إرادته ، وبذل في مناصحة مولاه جهد استطاعته لا على ما قد يتوهمه من لا علم عنده ، وعند ذلك يوفقه اللّه تعالى لاستعمال الأدب معه لما أشهده من عالي مرتبته ورفيع درجته .
--> ( 1 ) عنقاء مغرب : طائر عظيم أغرب في طيرانه وابتعد فلم يره الناس بعد ذلك ، وهو من الأساطير ومثل يضرب للشيء لا وجود له .